وَا حَـرَّ قَلبـاهُ

5 11 2009

26ll1

اليوم سأعرض عليكم قصيدة أحبها كثيرا ، للشاعر  أبي الطيب المتنبي ، وسبق لي أن حللتها تحليلا أدبيا في الجامعة ، لكنني اليوم وددت أن ألقي الضوء على أبيات محددة أشعر بروعتها ، ولعل بعضكم يعرفها ويحبها كذلك ، إنها في نظري أبيات فخمة لا زالت معانيها تمتد عبر الزمن لتدهشنا في كل مرة …

يقول المتنبي في مطلع القصيدة :

وَا حَـرَّ قَلبـاهُ مِمَّـن قـَلْـبُهُ شَبـِمُ

ومَـن بِجـِسمـي وَحـالي عِنْـدَهُ سَقَـمُ

ما لي أُكَتِّـمُ حُبّـاً قد بَـرَى جَسَـدي

وتَدَّعِـي حُـبَّ سَيـفِ الدَولـةِ الأُمَـمُ

إِنْ كـانَ يَـجمَـعـُنـا حُبٌّ لِغُـرَّتـِهِ

فَلَـيتَ أَنَّـا بِقَـدْرِ الحُـبِّ نَقـتَسِـمُ

وأقول في ظلال هذه الأبيات : في الحياة من نحبهم حبا عظيما نخبئه لهم في سويداء قلوبنا ، هذا الحب لا يجد من يستوعبه ويثمنه ،  لكنه مع ذلك مستمر باق رغم الألم ، فنجبر على كتمان  شعورنا خاصة لو وجد حولنا متملقون يدعون الحب ويتظاهرون به ، ولو أن الحب شيء يظهر للعيان لعرف من نحب عظم محبتنا وخواء محبة المتملقين ..

وقال أيضا في القصيدة ذاتها:

أَلزَمْتَ نَفْسَكَ شَيْئاً لَيـسَ يَلْزَمـُهـا

أَنْ لا يُـوارِيَـهُـم أرضٌ ولا عَـلَــمُ

أكُلّمَا رُمتَ جَيشاً فانثَنـَى هَرَبـاً

تَـصَـرَّفَـتْ بِـكَ في آثـارِهِ الـهِمَـمُ

أعلم أن هذه الأبيات قيلت في معرض البطولة والقتال ، ولكن لوتأملنا انعكاسها على حياتنا لرأينا أن من بين الرائعين الذين نقابلهم أناس بادروا بالخير والكرم وسعوا إليه دون أن يطلب منهم أحد ذلك  ، فهم من ألزموا أنفسهم صفات راقية ، وحتى لو قابلهم الآخرون بالنكران فإن هممهم تأبى إلا أن تستمر على كل جميل ، فهم لا يفعلون ما يفعلون طمعا في مكسب دنيوي بل لأن هذه هي شيمهم الحقيقة التي سيظلون محافظين عليها ما وسعتهم الحياة .

ويقول كذلك:

يا أَعـدَلَ النـاسِ إِلاَّ في مُعامَلَـتي

فيكَ الخِصـامُ وأَنـتَ الخَصْـمُ والحَكَـم

أُعِيـذُهـا نَظَــراتٍ مِنْـكَ صادِقـَـةً

أَنْ تَحْسَبَ الشَحمَ فيمَـن شَحْمُـهُ وَرَمُ

هذه الأبيات مليئة بالمحبة المختلطة بالعتاب الجميل ، وهو عتاب يرجع الحكم للمحبوب حتى لو كان هو الجاني ، ومن بين القلوب التي نعايشها قلوب تملكنا وتأسر عاطفتنا وحتى تفكيرنا فهي مصدر سعادتنا وحزننا في الوقت ذاته ، والغريب أننا لا نرضى سواها ، ونحاول دوما أن نوضح ونبين المغالطة في الفهم ، وكم نكون سعداء حين تميز تلك القلوب الغث من السمين وترد الوداد إلى أصله ومنبعه فتعلم قدره وعظمه…

ويردد المتنبي :

أنا الَّذي نَظَرَ الأَعمَـى إلى أَدَبـي

وأَسمَـعَـتْ كَلِماتـي مَـن بـِـهِ صَمَـمُ

أَنـامُ مِـلءَ جُفُـوفي عـن شَوارِدِهـا

ويَسْـهَـرُ الخَلْـقُ جَرَّاهـا ويَختَـصِـمُ

وَجَـاهِـلٍ مَــدَّهُ في جَهـلِـهِ ضـَحِكـِي

حَـتَّـى أَتَـتْـهُ يَـدٌ فَـرَّاسـةٌ وفَـمُ

إِذا رَأيـتَ نُيُـوبَ اللّيـثِ بـارِزَةً

فَـلا تَظُـنَّـنَ أَنَّ اللَيـثَ يَبْـتَـسِـمُ

تأسرني روعة هذه الأبيات ، فالأيام تطالعنا بثلة من الناس تهزأ بقيمنا التي نتقلدها بالفعل والقول ، ونحن إذ نفتخربها فإننا نجعلها  واضحة وضوح الشمس لكل فطن عاقل ، فهم  يهزأون لأنهم لا ولن يجدوا شيئا يحبونه وهدفا يصلون إليه لأنهم بكل بساطة سطحيون يغيظهم العمق الذي يعجزون الوصول إليه ، فلا زالوا يفسرون الأمور بظواهرها ، فتعجز نظراتهم القاصرة عن تبين الحقيقة ، فيظنون صبرنا وحلمنا عجزا ولا يعلمون أنه يخفي خلفه قوة وتصميما فوق ما يتصورون.

وأختم تأملاتي في شعره بهذه الأبيات التي قال فيها :

يـا مَن يَعِزُّ عَلَينـا أن نُفارِقَهـم

وَجداننـا كُـلَّ شَيءٍ بَعـدَكـُمْ عَـدَمُ

إذا تَرَحَّلْتَ عن قَـومٍ وقد قَــدَروا

أَن لا تُفـارِقَهم فالـراحِـلُونَ هُـمُ

شَـرُّ البـِلادِ مَكـانٌ لا صـَديـقَ بـهِ

وشَرُّ ما يَكْسِـبُ الإِنسـانُ مـا يَصِـمُ

أحيانا لا نملك الخيار في مفارقة من نحب ، ونعلم أننا بالفراق نحكم على أنفسنا بألم وهم كبير، ولكن قد يضطر المرء لترك أحبابه حين يسيئون له من غير أن يحسبوا حسابا لمشاعره أو حين يصبح وجوده عندهم  شيئا عاديا ليس له أثر أو مكانة ، في تلك اللحظة يكونون هم من قرروا الفراق وهم من حكموا لأنفسهم بمساحة من الدنيا تخلو من الأصدقاء الحقيقين ..

رائع أيها المتنبي !

رددوا معي ( اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك ) فذلك والله خير الحب .


إجراءات

Information

16 تعليق

5 11 2009
mustashar

المتنبي بالنسبة لي أفضل شاعر عربي فصيح في تاريخ الشعر

من ناحية الصور البلاغية

رغم تحفظي على أخلاقيته كانسان

عموما شكرا على الموضوع المميز عن شاعري المفضل

5 11 2009
محمد الجرايحى

أختى الفاضلة
بارك الله فيك وأعزك
أحيي اختيارك الرائع للقصيدة ولتلك الأبيات
وأسعدنى كثيراً قراءة تحليلك المصاحب للقصيدة
والذى زادها سحراً على سحرها وأعطاها رونقاً وجمالاً
أحسنت….

تقبلى مرورى وتقديرى واحترامى
بارك الله فيك وأعزك
أخوك
محمد

6 11 2009
ومضتي..

رائعه

اعرف المتنبي واعرف شهرة اسمه

لكني لا اعرف له بيت

لجهلي بالادب العربي … فكل ما في ذاكرتي منه هو بقايا حروف الدراسه

شكرا لك مرفأ

6 11 2009
شرفة تأمل

تحليلك أضاف معان قيمة ..

هنا مرفأ .. للأمل وللتأمل أيضا ..

لتهنأي بهكذا قلم ..

6 11 2009
أفلاطونية

للمتنبي قصائد خالدة وأدب رفيع

تحليلكـ جميل جداً أختي مرفأ الأمل

وفقكـ الله لما يحبه ويرضاه

7 11 2009
bluero0ose

.
.
مطلع القصيدة بحد ذاته .. من أقوى وأجمل ماقيل ..

مايعجبني في المتنبي، وقصيدته هذه بالأخص ، هو أن كل بيت في القصيدة فريد من نوعه “وحكايه بحد ذاتها” ، فكأنها قصائد مجمّعه ،،!

استمتعت بما قرأت هنا ..
كل الشكر ،
.
.

8 11 2009
غربهـ

الله يامرفأ..
ذائقتنا متشابهه

هذه من أرق واجمل وأحكم ماقال المتنبي..

لغتها سهلة ..مفهومة ..تشعر أنها كتبت الآن..لا قبل مئات السنين..

بل إن ابنتي حفظت العشرين بيت الأولى من القصيدة..وهي في الروضة

لجمالها وسهولة قراءتها

كثير من أبياتها ..نكررها كثيرا..حتى بدون أن نعرف أنها للمتنبي
مثل “إذا رأيت نيوب…”
و..:يامن يعز علينا أن نفارقهم..
و..شر البلاد بلاد لاصديق بها
إذا ترحلّت عن قوم وقد قدروا ..
و و و و

اعتقد أن كل بيت هو مشهور..

هكذا الشعر وإلا فلا!

شكرا لذائقة راقية كذائقتك..

9 11 2009
بوح القلم

اختي الكريمه مفاء .
واكثر من رائع يامتنبي ..
انا من اشد المعجبين به وبقصائده ..اردة ان اخذ بيت واضعه مدخل لاجابتي .
فاكتشفت انني نسخت كل الابيات لروعتها 🙂
يعجبني فخره بنفسه وبشعره .
لك الشكر على هذه القصيده وعلى المتنبي .
دمتِ بود

10 11 2009
بشرى

شَـرُّ البـِلادِ مَكـانٌ لا صـَديـقَ بـه

تذكرني بحالي الآنـ ..

أحب التأمل في الشعر دون تخصيص اهتمام لشاعر معين ..

فقد مايثير انتباهي ويصف حالي ..

شكرا لكـ ..

10 11 2009
مرفأ الأمل

mustashar

نعم بحق المتنبي شعره مميز ..وجيد أن ننظر بعين الأديب الذي يتتبع روائع البيان ..

محمد الجرايحي

شكرا لك أستاذي الفاضل ..
ثناؤك يفتح أفق أفكاري دائما..
جزيت الجنة ..

ومضتي

لا بأس بشيء من التجديد
تعرفي على المتنبي أكثر ، تنتظرك جواهر رائعة !

10 11 2009
مرفأ الأمل

عزيزتي شرفة تأمل

شكرا لعينيك التي ترفع قيمة قلمي ..كوني قريبة

أفلاطونية

جيد أن أننا نتقاسم روعة الأشعار ..
شكرا لمرورك الغالي..

10 11 2009
مرفأ الأمل

bluero0ose

أنت محقة ، قصائده فخمة ، وأبياته مميزة ..

غربة

رائع أن ابنتك تحفظ أبيات المتنبي ..
أوصيك بها دربيها على مزيد من الأبيات
سينفعها ذلك

10 11 2009
مرفأ الأمل

بوح القلم

جيد أنك تحبين تلك الأبيات …
وأنا كذلك يعجبني اعتداده بنفسه ..

مزيد من الأبيات ، انتظريها

بشرى

أبشري عزيزتي الصديقات حولك أمعني النظر…
وطبعا لا أتحيز لشاعر معين فهناك شعراء رائعون ..

29 11 2009
الشاعر الضليل

هذه مدونة جميلة

12 03 2010
pure pen

مرفأ

انتقاء متميز وتحليل رائع

اسمتعت جدا

اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك

آميييين يارب العالمين

12 03 2010
مرفأ الأمل

الشاعر الضليل

فخر هذا وشرف وافر التقدير

pure pen

مرحبا بتواجدك ، سعيدة بذلك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: