أعمى باختياره!

2 04 2011

هل واجهت يوما شخصاً متصلبَ الرأي؟ شخصاً تحاول إقناعه برأيك أو رأي الآخرين ، ولكنه يأبى أن يسمع صوتاً غير صوته ، ويقابل كل كلام إضافي بنظرة التسلط والسخط؟ّ

إن وجود أشخاص كهؤلاء يصيبني بدهشة كبيرة ، ليس لأنه أمر مستحيل الحدوث ، لكنني مع كل هذا الانفتاح في تلقي المعلومات وتنوع مصادرها وكثرة القنوات الفضائية وتنامي الجامعات وسرعة الإعلام وغيرها من الأمور ، وجود كل هذا مع تصلب الآراء يدهشني حقاً؟

بعض متصلبي الرأي والأفكار لا يسمحون لك بالكلام البتة ، فيحتكرون دفة الكلام بلا استسلام ، وفي تنامي موجة الكلام ومستوى الصوت قمة انتصارهم ، يستغلون حسن إنصاتك أو احترامك لهم لفرض آرائهم دون متسع لك إلا لتلتقط أنفاسك فقط.

وعادة ما يكون هؤلاء في قمة الغضب ، يصطنعون لأنفسهم حوارا وهمياً لكل شخص من الممكن أن يعارضهم ، ويردون عليهم واحدا واحدا ، فاختر لنفسك ردا يلائمك ، ولكن لا تتكلم!

والبعض الآخر ..يسمح لك ببعض الكلمات ، تقولها في مواجهة كلامه ، فتُرد عليك ، لأنها بمثابة وقود لكلماته الملتهبة ، فكل كلمة تقولها ضدك بطريقة أو بأخرى ، المهم أنك مخطىء ، وهذا ما يحاولون إثباته ، ودائما يحرصون على تأكيد ما يقولون باستدعاء الماضي مركزين على الأخطاء السابقة والكلام الذي دار حوله، فيقفزون بك من موضوع لآخر دون أن تحل موضوعك الحالي الذي يشغلك الآن ، وهكذا تصبح مناوراتك الكلامية وبالا عليك ، فتفضل في تلك الحال ألا تتكلم!

ولعل بعضا منهم يعطيك كل مساحة للكلام، قل ما شئت وعبر عن رأيك ، ولكنه مرفوض مقدما ، تشعرُ أنك في مواجهة جدار عالٍ يستعصيى عليك ارتقاؤه، فلا تجد عتبة ولا نافذة تتعلق بها ، تواجه شخصا مصمتا يسمعك ولكنه لا ينصتُ لك ، تدخل كلماتك مسمعه ولكن يلفظها قلبه ، فتشعر حينها بالإحباط وأنك استهلكت نفسك ، وأنك نادم على كلامك الذي ذهب سدىً .

هذا الإعراض والاستبداد بالرأي ليس غريبا ، فهو موجود في الحياة والتاريخ والذكريات ، ليس الأمر بجديد ، حتى الأنبياء والرسل واجهوا هذا الإعراض ، ولكني أعجب لهؤلاء الناس حين أعطتهم الحضارة كل معرفة وكل حقيقة ، ولكنهم مع ذلك يتحمسون لصحة أفكارهم مهما يكن ، ولستُ أنكر عليهم التعبير عن رأيهم ، ولكني أرثي لحالهم حين لم يتركوا للآخرين فرصة إثرائهم ، فمهما اجتهد الواحد منا لابد أن نظرته قاصرة ، ولا بد له من التثبت والتشاور والعلم حتى يُحكم رأيه ، ومع كل هذا الزخم المعرفي ، يمسى المرء متحسسا طريقه بحذر وترو لينال ما يريد، وليس من الحكمة أن يتعنت لرأيه ويصبح أعمى – باختياره – عن الحقيقة الساطعة .

ليس شرطاً أن تخوض تجربة قاسية لتتعلم ، فأنت تستطيع أن تتعلم من كل شيء حولك ، افتح نوافذ فكرك وكن إنسانا طيعا مرناً ليقبل الآخرون عليك ، كن منصتا بقلبك لمن يحبك ، وتنازل عن غرورك ، واسمع مهما ساءك ما تسمع ، المهم أن تعلم وتصنت ، وعندما تعبر عن رأيك حينها ستجد من يُنصت لك ويتقبل رأيك ، وهكذا الحياة في كل أمرها مشاركة واستفادة .

تصلبُ الرأي آفة فكرية ، ومعضلة إنسانية ، إذا واجهتها يوماً وكان بإمكانك ألا تخوض فيها فافعل ، فالترفع عن مخاطبة السفهاء أجل وأنفع من إضاعة وقتك معهم .





صوت الحياة

4 02 2010

في ازدحام الأحداث وضجة الحياة وازدياد المسؤوليات تجد نفسك ضيق الصدر مهموما ، يتقلدكَ الكَدر والقلق، وتشحُ أوقاتكَ بالصفاء والابتسامة ، إنه حثيث الحياة المتسارع ، ذلك الذي يسرق منا لحظات التأمل ..

التأمل هو التفكير المتروي في أمر ما ، وإمعان الفكر في صورةٍ أو موقفٍ أو شخص..والتأمل يستجلب الأفكار القريبة والبعيدة ، نقارن به ونسدد ونقارب ..

التأمل هو حديث النفس الصامتة التي تترفع عن التسرع وإبداء الآراء دون تفكير وتحليل ، وهي صفة محمودة العواقب لكل ذي لب ساع للفضائل، ولك في تأمل الآيات والأحاديث والأشعار والحكم أفق واسع وفائدة عظمى ، فالتأمل جزء لا يتجزأ من العبادات والتي يٌُطلق عليها العبادات القلبية أو الأعمال الباطنة ، وأنت حين تمعن في هذا كله فإنك تعطي لأفكارك متسعا ونضجا عقليا راقيا ، فالتأمل بوابة الارتقاء الإيماني ومعين على إدراك روعة الخالق وعظيم إحسانه ، فينطلق اللسان بالذكر في السر والعلن ..

ومَن يحرص على التأمل في حياته يستطيع أن يقود نفسه إلى الهدوء وإلى التخلص من رواسب الأحداث اليومية فيمنح نفسه شيئا من راحة البال ويعطيها الفرصة لتذكر النعم والمآثر التي لا زال يملكها ، ويتفكر في الناس الذين يحبونه ، فيكون بذلك إنسانا راضيا شاكرا لأنعم الله عليه..

إن المواظبة على التأمل البنّاء يعين المرء ليصل إلى مدارج الحكماء ، ناهيك عن القدرة على استشفاف الحقائق والوصول إلى عمقها واستشراف تبعاتها ببصيرة وفِراسة ، فالأحداث لا تمر على المتأمل دون تمحيص ومراقبة ، فيتعلم منها ويستخلص العبر مضيفا لنفسه صفة حميدة أو فكرة جديدة..

والجميل في التأمل أنه الصفة الملازمة لكل مبدع ومفكر ومخترع ، فالتأمل يساعدك على سبر أغوار نفسك واكتشاف ما يميزها لتخرجه للآخرين في قالب ماتع للعين والقلب وبذلك تكون قد تركت بصمة جميلة في من حولك تدل عليك.

وهو كذلك مرآة ذاتك ، فرغم كل شيء أنت محتاج للمحاسبة الذاتية ، ولا يتأتى ذلك إلا بالاختلاء بنفسك ومراجعة أعمالك ومقارنتها مع ما سبق ومع أهدافك وطموحك .

وهذه القيمة العالية للتأمل تشعرك بمدى ضرورته ، وعظم فائدته ، وقد يقول قائل : إن مشاغل الحياة تحول دون ممارسة التأمل ، وأقول: إن التأمل ممكن في أي وقت وأي مكان ، توفر الهدوء وجمال الصورة عامل مهم ، لكنك بالدربة تستطيع أن تتأمل في كل حال ، تعمد أن تدرب نفسك على أن تكون حاضر القلب والفكر وأن تقلل من كلامك ما استطعت وتكثر من الإنصات وترهف السمع لصوت الحياة واستخلاص العبر.

قُد أفكارك للمعالي وجانب السوء في ذلك ، تخير لتأملك رحلة متفائلة وابتعد عن الأفكار السيئة التي لا تثريك ولا تسبب لك سوى القلق ، اضبط اتجاه أفكارك نحو الخير وحسن الظن ، تفحص أفكارك وأعد تنظيمها ، ولابأس أن تتخذ في ذلك سبلا متنوعة كأن تعقد مع نفسك اجتماعا صباحيا وليكن بعد صلاة الفجر ، ولا بأس من الاطمئنان بين الفينة والأخرى ..

وتذكر بقدر ما تعطي نفسك من اهتمام ستجده منها .





متى يهاجر قلبك؟

19 12 2009

ماذا يعني لك مرور عام هجري جديد ؟

لا يختلف اثنان على أن الهجرة النبوية الشريفة كانت حدثا هاما ليس على الصعيد الإسلامي فقط بل حتى على الصعيد العالمي ، إنه الحدث الأهم الذي غير مجرى التاريخ ، ليرسي دعائم دولة الإسلام وليصنع من أفراده أبطالا يردد الكون أسماءهم حتى يومنا هذا ..

وبعد مرور السنوات وتعاقب الأجيال ، أود أن أربط هذا الحدث الهام بحياتنا الواقعية ، ولو عمقت السؤال السابق لقلت: ما مدى أهمية الهجرة النبوية بالنسبة لك ؟ هل تشعر بها حقا كما تشعر بمرور السنة الميلادية ؟ وهل تتعامل معها لكونها طريقة للتقويم فقط؟ أما أنها تعني لك أمرا أبعد من ذلك ؟ ما مدى ارتباطك بها هل تذكر أحداثها وتستشعر قيمة التضحيات فيها ؟

ولعل أسئلتي ليست ذات ثقل عند المهتمين بالتاريخ وبالثقافة الإسلامية ، أو عند من يستعمل التقويم الهجري ويعايش جل أحداثه ويتفاعل معه ، فهم يرون أن هذه الأمور من البديهيات والأولويات ضمن مبادئهم الفكرية ، ولكن المشكلة تكمن أمام العازفين عن المعرفة والقراءة ، مشكلتي مع من يضع التاريخ جانبا فيقطع حبل انتمائه له ، مشكلتي مع من لا يعرف شيئا عن تاريخ الأمة ، أو لا يريد أن يعرف فما لديه من اهتمامات أخرى لأمم أخرى كفيلة بملء وقته واحتلال أفكاره ، مشكلتي تكمن في أن فئة من مجتمعنا تتنصل من تاريخها ، وتحاول الانتماء لحضارة أخرى .

حينما تتجول في المحلات في هذا الوقت ، ترى أن الكل مستعد لاستقبال السنة الميلادية الجديدة ، تلك التي تكاد تتقاطع مع السنة الهجرية بحكم أن التقويم الهجري يتقدم عشرة أيام كل عام ، ومع تداخل الموعدين ترى تناقضا عجيبا ، إنها الزينة التي تملأ الأرجاء ، بابا نويل ، الستائر الحمراء ، والأشجار المزينة ، كلها أمور اعتدنا رؤيتها ، وترسخت في أذهان أبناءنا ، فصاروا يتمثلونها وينتمون لها ، ويهنئون بعضهم بها ، وقد يشترون الهدايا والبطاقات لكون الدنيا تضج باحتفالية كبيرة يدخل الاقتصاد الاستهلاكي فيها ، فأين نحن من هذا ؟

لماذا لا نسعى لترسيخ رموز الحضارة الإسلامية ؟ لم لا نحرص على تذكير أبناءنا بانتمائهم الحضاري والتاريخي ؟ لم لا نصور لهم هجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام  ، وتضحيتهم بالغالي والنفيس من أجل رفع راية الحق؟

نعم لم تكن حضارتنا حضارة مادية ، ولكنها حضارة مليئة بالقيم والصفات والأخلاق الكريمة ، إنها الحضارة التي حوت بين جنباتها روائع التاريخ ، وضمت أشجع الأبطال ، أفلا تستحق منا وقفة مربٍ مستشعرٍ لمسؤولية نقل الأمانة وبناء الجيل ؟

لم لا نخاطب الجيل بما يفقه ؟ هل سنظل نعكف على أدواتنا القديمة في ذلك؟ لم لا ندخل ميدان الاقتصاد الاستهلاكي ونحجز لنا منبرا فيه  ليس حبا في الكسب وإنما جبهة نستطيع منها لفت الانتباه لفكرة ما أو قضية مهمة ؟

إن تطويع الحياة بما يتناسب مع قيمنا الإسلامية وأحداثنا التاريخية التي نفخر بها هو واجب جماعي يقتضي منا أن نتمثل حبه بصدق ، وأن نضيف لمسته في كل موطن وعند كل ناد ، إنه واجب لو اجتمعنا على العمل به لحققنا أثرا عظيما ، فكل من موقعه يستطيع ولو بالجهد القليل أن يساهم في بناء ثقافة إسلامية تقدر أهم رموزها ، وتحترم  أبطالها .

لم تكن الهجرة مجرد حدث عابر نتدكره بالإجازة أو بالإعلان والتهنئة ، بل هي هجرة القلوب إلى الله رغبة فيما عنده وأملا في نشر دينه ، فخبرني متى يهاجر قلبك ؟ ومتى يكون الدين أول اهتماماتك ؟

كل عام وأنتم إلى الله أقرب





رحلة سيارة

2 11 2009

سيارة

يسعدني أن أقدم  تدوينتي التي شاركت بها  في مدونة عبدالله المهيري والتي تندرج تحت فكرة مشروع اكتب في مدوناتي

وقد تكون هذه التدوينة أطول من المعتاد ، ولكنها الشروط..


أستيقظ صباحاً وقد أعلنت الصلح مع ذاتي التي أثقلتها بالتأنيب والمحاسبة الليلة الماضية ، وأقرر أن أمنحها فجرا جديدا وأملا كبيرا أستعين بالله وبجمال الصباح ، فأفتح باب منزلي أستنشق هواء الصباح وأملأ رئتي بالهواء النقي وأتجه لسيارتي التي تقف هنا في منطقة (بين الجسرين ) خارج جزيرة أبوظبي نسكنها لأننا نبتعد عن الزحام بين البنايات المكتظة داخل المدينة ، وها أنا أكتب قائمة بالأعمال التي سأحاول إنجازها  بعد نهاية عملي (المرور – الوكالة – موعد الطبيب- المحكمة – البلدية – قائمة مشتريات للمنزل…!) هذا إن وجدت متسعا من الوقت أو المكان.

تتحرك سيارتي في رحلتها الصباحية اليومية ،ولا زالت في محيط الشوارع الداخلية للمنطقة ولكن السيارات تمر مسرعة متجاهلة الدوارات أو المطبات ، الكل يستبق الفرصة للمرور، وسيارتي تبدو حائرة أمام هذا الهجوم الصباحي ! وبعد المكابدة أصل للشارع الرئيسي ، وإطلالتي هذه المرة تبدو أشد صعوبة فمجرد أن تتهيأ سيارتي لتكون ضمن ركاب السير تتلقاها خطفات سريعة من شاحنة متشنجة أو سيارة متسلطة ، أحاول التماسك واستقبال الأمر برحابة صدر ، فأسير في شارع الخليج العربي ، من المفروض أنه شارع سريع ، لكنه كما لاح لي نهر من السيارات المكتظة ، وكأني حين أناظرها من بعيد أرى فيضا من السيارات الملونة والمنوعة في الشكل والحجم ، كنت دائما أشعر أن السيارات كالأشخاص ، فالسيارة بحركتها تعكس نفسية صاحبها ،ويتبادر لنفسي سؤال ترى من يركب السيارات؟ أطفال ، كبارالسن ، مرضى ، معلمون ، طلاب ، عمال وكلهم بشر! فأين الرفق بهم ؟ أحاول أن أسير بسرعة متوافقة مع السيارات ، ولكن التفاوت فيها أتعبني ، أقرر الاستقرار في الوسط ، فمسار اليمين محتل من قبل الشاحنات التي تُسلم القيادة لشاحنة متهورة تسير بكل ما أوتيت من قوة غير آبهة بأي كائن أمامها أو سيارة أو حتى بناء تندفع بقوة وكأنها تخترق الصخر ، فتتبعها الشاحنات كسلسلة لا تنتهي ، وأما مسار اليسار فمخصص للسيارات الطائرة عفوا أقصد المسرعة التي تظل مسرعة بغض النظر عما أمامها ، فهي لا تنظر للسيارات ، وعلى السيارات أن تتكيف مع وجودها ، وإن عاندت سيارة ما فإنها تنال التهديد الضوئي من بعيد ، فمصابيح السيارة تعمل صباحا كعلامة على غضب السيارة لأن الطريق لا يُفسح لها ، وعلى السيارة المهددة أن تتصرف بأي طريقة حتى لو كان تحركها في تلك اللحظة مستحيلا ولو اضطرت لاستخدام مسار الطوارئ ..

ألتقط أنفاسي بصعوبة ، وأفتح المذياع علي بذلك أحافظ على شيء من طاقتي ..أتابع القيادة ، وأتابع السيطرة على أعصابي ، ولكن التاكسي الذي أمامي يبعث في نفسي التوتر حقا ، فحركته غير منتظمة في كل اتجاه ، لا أتوقع الجهة القادمة التي يقصدها ، وكأنه ذبابة مترنحة ! تذكرت أحدهم حين  قال لي يوما : هذا سيدي التاكسي!أنا أحترمه دائما وأبتعد عنه ما استطعت ، لأني إن لم أفعل لقيت جزائي ، فالتاكسي سيارة فوق القانون ، هكذا هي لها عالمها الخاص ، وهذا ينطبق على كل سيارات الأجرة ..

لا أدري في أي اتجاه أوزع نظراتي ، وددت لو كان لي عدد أكبر من المرايا ، أو أن سيارتي تتحسس طريقها لوحدها ،أو أن لها أرجلا طويلة تتخطى بها الصفوف، و أعود للقيادة ، ولكن سيارة تفاجئني بحركة سريعة تكاد معها أن تكسر مرآة سيارتي الجانبية ، إنها السيارة الدودة فحركتها لا تتبع مسارا معينا ، فها هي تقتنص كل فراغ لتعبر فيه دون اكتراث بالبقية ، وإن فكرت في مواجهتها ، ربما فتح صاحبها النافذة وأسمعني من حلو الكلام فصلا ! قائلا : هذا ليس شارع والدك! فأكظم ما بنفسي وأفتش عن شيء يسمى الذوق أو اللباقة لأستعين به على أمري ..

أرمق السيارات المقاتلة في صراعها للوصول ، فأراها جميعا تبطؤ السرعة فجأة ، إنه الرادار ، ما يعني هذا وقوفا فجائيا للجميع ، وبعد إلقاء التحية على الرادار ، تعاود السيارات قيادتها المجنونة من جديد ..

انتهى الشارع الطويل بعد أن أنهى حماسة نفسي ، وبقي أمامي عالم من الدوارات والإشارات الضوئية ، علي اختراقها لأصل إلى عملي في كورنيش أبوظبي ، إنها النقطة الأبعد ، والأصعب ، أشعر كأنني مشيت دهرا ، الإشارة الضوئية تسمح لي بالمرور بعد الوقوف الخامس ،والمسافة الآمنة بين السيارات حلم صعب المنال ، ومع كل انطلاقة إشارة ضوئية لا بد لي أن أرى حادثا عن يمين وعن يسار ، فيزداد الوضع سوءا ، وتزداد النفس غيظا.

وينهك سيارتي كذلك أعمال الطرق التي تتوزع في كل مكان ، فهذا شارع مغلق ، وتحويلات فجائية تخنق سيري، وتخنق أملي بالوصول في الوقت المحدد ، أصوات السيارات تتعالى احتجاجا على إفساحي الطريق للسيارات التي أمامي ، فأمني نفسي بالصبر ، وأعد نفسي بإطلالة سريعة على البحر ، وحينما أصل للكورنيش أجد أن يد الأعمال امتدت إليه كذلك ، فالبحر مغلق للصيانة ،لا أذكر أني رأيت بحر أبوظبي فالعمل فيه منذ سنوات ،  أشعر بخيبة أمل كنت أتمنى حقا أن أطلق عيني في رحابة بحر ، ولكن كل البحار التي تطل عليها جزيرتنا مغلقة للصيانة ! في كل جهة تجد عائقا كبيرا ، ولولا عملي لما دخلت إلى قلب المدينة ، سيارتي تعبت من  رحلتها ، نعم وصلت إلى عملي ، ولكن فرصة الحصول على موقف لسيارتي المنهكة يبدو معدوما ، ضيق الأماكن والطريق عكس على نفسي بؤسا صباحيا ، فكيف سأبدأ يومي ، وكيف سأحافظ على نشاطي ، والسؤال المهم كيف سأعود إلى البيت مع ابتسامة حقيقية ؟

الأمر يتنامى يوما بعد يوم والزحام يشتد والصبر ينفد ، حان الوقت لأشتري طائرة !